باب: قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
00:00:02
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ونسأل الله أن يختم لنا ولكم
بالتوحيد.
(...) وآله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:
(كتاب
التوحيد).التوحيد مصدر: وحَّد يوحِّد؛ أي: جعل الشيء واحدًا، هذا في اللغة،
أما في الشرع فهو إفراد الله عز وجل بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء
والصفات، ولهذا قسَّمه العلماء إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية،
وتوحيد الأسماء والصفات.
أما توحيد الربوبية فهو إفراد الله عز وجل بالخلق
والملك والتدبير. إفراده بالخلق؛ يعني: يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله عز وجل،
قال الله تعالى:
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، وهذه جملة تفيد الحصر، وطريقه هنا تقديم الخبر؛ لأن القاعدة في
البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير مفيدٌ للحصر، وكذلك قوله تعالى:
هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣] فإنه يفيد اختصاص الخلق بالله عز وجل.
ولا يَرِد
على هذا ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات خالق غير الله؛ مثل قوله تعالى:
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]،
ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين:
«يُقَالُ
لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ؛ لأن
هذا الخلق الكائن من المخلوق ليس خلقًا حقيقة وإنما هو تحويل للشيء من حال إلى حال،
وليس إيجادًا بعد عدم، ثم هو أيضًا ليس بشامل؛ إذ إنه محصور بما يتمكن الإنسان منه،
ومحصور أيضًا بدائرة ضيقة ليست شاملة، فلا ينافي هذا قولنا: إفراد الله بالخلق.
كذلك إفراده بالملك بأن نؤمن بأنه لا يملك الخلق إلا خالقه سبحانه وتعالى، قال
الله تعالى:
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٩]،
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون: ٨٨]، والآيات في هذا كثيرة تدل على أن
المنفرِد بالملك هو الله سبحانه وتعالى.
وهذا أيضًا لا ينافيه إثبات الملكية
لبعض المخلوقات؛ مثل قوله تعالى:
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المعارج: ٣٠]، ومثل قوله:
أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور: ٦١]، وما أشبهها؛
وذلك لأن المخلوق ليس كملك الخالق؛ فإنه مُلكٌ محدود بنطاقه لا يشمل إلا شيئًا
يسيرًا جدًّا من هذه المخلوقات، فالإنسان يملك ما تحت يده لكن لا يملك ما عند غيره،
أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثم هذا الملك أيضًا قاصر من حيث الوصف؛ لأن الإنسان لا
يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أُذِن له فيه
شرعًا.
لو أراد الإنسان أن يحرق ماله -مثلًا- قلنا: لا يجوز، ولو أراد أن يعذب
حيوانًا تحت يده قلنا: لا يجوز. لكن الله عز وجل هو الذي يملك ذلك كله، وملكه عام
شامل.
كذلك هو المنفرد بالتدبير فالذي يدبِّر أمره هو الله سبحانه وتعالى. وما
يحصل للإنسان من التدبير فإنه -كما قلنا من قبل في الملك- تدبيرٌ محصورٌ بما تحت
يده، وهو أيضًا تدبير غير مطلق؛ إذ لا يملك التدبير إلا على حسب ما أُذِن له فيه
شرعًا. وبهذا صحَّ قولنا: إن توحيد الربوبية هو إفراد الله بالخلق والملك
والتدبير.
واعلم أن هذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بُعِثَ
فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بل كانوا مُقِرِّين به؛
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]، ويقرون أن
الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، يقرون بهذا كله لكن
هذا لم يدخلهم في الإسلام.
ولم ينكره أحدٌ من بني آدم معلومٌ إلا على سبيل
المكابرة؛ كما حصل من فرعون حين أنكر الرب عز وجل، فقال:
وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣]، وقال لقومه:
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨]، وقال لهم:
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، مكابرة؛ لأنه
يعلم أن الرب غيره، كما قال الله عنهم:
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]، وقال له
موسى وهو يناظره، قال له:
لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢]، ومع ذلك لم ينكِر، ما قال: لم أعلم هذا، فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله عز
وجل لكنه جحد ذلك مكابرة والعياذ بالله.
ولم يقل أحد من الخلق: إن للعالم
خالقين؛ يعني ما فيه أحد جحد توحيد الربوبية على سبيل التعطيل ولا على سبيل
التشريك، أبدًا. من الذي أنكره على سبيل التعطيل؟
طالب: (...).
الشيخ: فرعون، إحنا
نتكلم عن الربوبية ما عن الأسماء والصفات، فرعون أنكره على سبيل التعطيل؛ عطَّل
الله عن ربوبيته، وأنكر وجود الله.
والذين أنكروا توحيد الربوبية على سبيل
التشريك هم المجوس؛ المجوس قالوا: إن للعالم خالقين؛ الظلمة والنور، ومع ذلك لم
يجعلوا هذين الخالقين متساويين.
فمن لم يقرَّ بتوحيد الربوبية هم طائفتان:
طائفة أنكرت، وهذا يسمى شرك التعطيل، فهو في الحقيقة جحد؛ مثل فرعون.
وطائفة
أخرى أثبتت لكن مع التشريك؛ مثل المجوس.
ومع هذا ما قال المجوس: إن للعالم
خالقين متساويين أبدًا، يقولون: إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة
تخلق الشر، والذي يخلق الخير خيرٌ من اللي يخلق الشر.
أيضًا يقولون: إن الظلمة
عدمٌ والنور وجود، فهو أكمل في ذاته؛ لأن الظلمة عدمٌ، ما تضيء، والنور إضاءة، فهي
أكمل في ذاتها.
ويقولون أيضًا -فيه فرق ثالث- وهو أن النور قديم، هذا اصطلاح
الفلاسفة، وأما الظلمة فاختلفوا فيها هل هي محدثة أو قديمة؟ على قولين.
هل بهذا
التقسيم أثبتوا للعالم خالقين متساويين؟
طلبة:
لا.
الشيخ: أبدًا، وحينئذٍ نرجع إلى أن مقتضى العقل
ألَّا يكون للعالم إلا خالق واحد، وقد دلَّ الله على ذلك بقوله:
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وحينئذٍ لو أثبتنا للعالم خالقين لكان كل خالق يريد
أن ينفرد بما خلق ويستقل به، كعادة الملوك لا يمكن أن يرضى لأحد أن يشاركه، وإذا
استقل به فإن أيضًا يريد أمرًا آخر؛ وهو أن يكون السلطان له، لا يشاركه أحد في
السلطان، وحينئذٍ إذا أرادا السلطان فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، وإما أن
يسيطر أحدهما على الآخر، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب. إن عجز أحدهما عن الآخر ثبتت الربوبية لمن؟ للقادر،
ولَّا لا؟ إن عجز أحدهما عن الآخر ثبتت الربوبية للقادر، وإن عجز كل منهما عن الآخر
زالت الربوبية منهما جميعًا؛ لأنه تبين أن كل واحد منهما عاجز، والعاجز لا يصح أن
يكون ربًّا. هذا هو توحيد الربوبية.
أما توحيد الألوهية، ويقال له: توحيد
العبادة باعتبارين؛ فباعتبار إضافته إلى الله يسمى توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته
إلى الخلق يُسمَّى توحيد العبادة، فهو إفراد الله عز وجل بالعبادة، هذا توحيد
العبادة أو الألوهية: أن تفرد الله وحده بالعبادة؛ لأنه هو المستحق لأن يعبد سبحانه
وتعالى،
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
والعبادة تطلق على
التعبُّد وعلى المتعبَّد به، إذا قيل: عبادة فإنها تُطْلق على التعبُّد وعلى
المتعبَّد به؛ فعلى الإطلاق الأول يكون معنى العبادة: التذلل لله عز وجل بفعل
أوامره واجتناب نواهيه محبةً له وتعظيمًا، هذا على إطلاق التعبد.
وأما على
الإطلاق الثاني العبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، قال:
العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛
كالصلاة والحج والصوم والزكاة وغير ذلك من العبادت. هذا المراد بها المتعبَّد
به.
إفراد الله تعالى بهذا توحيد، فلا تكنْ لغيره عبدًا، ولا تتخذ غيره إلهًا،
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء: ٢٢]، اجعل إلهك الذي تفرده بالتذلل محبةً وتعظيمًا
اجعله رب العالمين عز وجل، كما قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، وقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِويش بعدها؟
رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فوصفه سبحانه وتعالى بأنه رب العالمين، وهذا الوصف كالتعليل لثبوت
الألوهية له،
الْحَمْدُ لِلَّهِفهو الإله لأنه رب
العالمين، فلا تجعل عبادتك لأحد سواه؛ فإن ذلك من السفه،
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠].
من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء أن تجعله إلهًا تعبده
وتتقرب إليه وهو في الحقيقة لم ينفعك؛ لا بإيجاد، ولا بإعداد، ولا بإمداد، كل ما
سوى الله ما ينفعك بهذه الأمور الثلاث؛ لا بإيجاد، ولا بإعداد، ولا بإمداد، فالذي
أوجدك وأعدَّك وهيأك لما أنت مخلوق له والذي أمدك بما يمكنك أن تقوم به بهذه
الأوامر مَن هو؟ الله عز وجل، فهل يليق بعاقل أن يجعل مع الله إلهًا آخر وهو
المنفرِد بالخلق؟ لا يليق. وإذا شئت فاقرأ قول الله عز وجل:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، هذا هو الأهل للعبادة سبحانه وتعالى لا
غيره.
من السفه أن تأتي قبر إنسانٍ صار رميمًا ثم تعبده، هذا المقبور هو بحاجة
إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه، هو لا يملك لنفسه الآن لا نفعًا ولا
ضرًّا، أبدًا، لو سألت هؤلاء الموتى واطلعت عليهم لعلمت أنهم لا يمكن أن ينفعوا
أحدًا، حتى لو كان أعلى البشر مرتبة عند الله عز وجل -وهو الرسول محمد صلى الله
عليه وسلم- فإنه لا ينفعك، لا تعبد إلا الله. وأنواع العبادة كثيرة، والمؤلف رحمه
الله في كتابه هذا أشار إلى شيء كثير منها.
قبل أن أتجاوز القسم الثاني، هذا
القسم الثاني كَفَرَ به وجحده عامة الخلق، عامة الخلق ينكرون هذا ويكفرون به، ومن
أجل ذلك أُرْسِل الرسل إلى قومهم
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، كل الرسل، كل رسول يتلو الله علينا نبأه
يقول: وإلى القبيلة الفلانية والأمة الفلانية أخاهم فلانًا أن عبدوا الله ما لكم من
إله غيره، كلهم يدعون إلى هذا التوحيد؛ لأن الأمم كانت منكرةً له جاحدةً له.
ومن
الذي يتبع هؤلاء الرسل؟ رآهم النبي عليه الصلاة والسلام، يقول:
«فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ
الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» ،
فأكثر الخلق جاحدون لهذا التوحيد مع أنه هو الذي دعت إليه الرسل، وهو الذي
اسْتُبِيحَت به الأنفس والأموال والأراضي إذا لم يقم الإنسان به.
ومن العجب أن
كثيرًا من المصنِّفين في علم التوحيد يركزون كثيرًا على توحيد الربوبية، وكأنما
يخاطبون أقوامًا ينكرون الرب ووجوده! وأنا لا أشك أنه يوجد أقوام ينكرون الرب
ووجوده لكن ما أكثر المسلمين الذين يريدون أن يكونوا مسلمين وهم في الحقيقة واقعون
في هذا الشرك؛ أعني الشرك في العبادة، ولهذا ينبغي لنا أن نركز على هذا تركيزًا
بالغًا؛ حتى ننتشل هؤلاء المسلمين الذين يقولون: إنهم مسلمون وهم مشركون ولا
يعلمون، فلذلك أنا أرجو منكم أيها الإخوة أن نركز على هذا، لا سيما في البلاد التي
ابْتُلِيت بهذا النوع من الشرك.
أما القسم الثالث فهو توحيد الأسماء والصفات،
وهذا التوحيد هو الذي ضلَّت فيه الأمة الإسلامية، وانقسمت فيه إلى ثلاث وسبعين
فرقة، هذا التوحيد -وهو توحيد الأسماء والصفات- هو إفراد الله عز وجل بما له من
الأسماء والصفات، وكلمة (إفراد الله بما له من الأسماء والصفات) تتضمن شيئين:
إثبات، ونفي مماثلة، كيف فهمنا نفي المماثلة؟ من كلمة (إفراد)، ومعنى ذلك ألَّا
نجعل لله تعالى مثيلًا في صفاته وأسمائه وأن نثبت له جميع أسمائه وصفاته.
وقد
دلَّ قوله تعالى:
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] على أن الله تعالى مختص بكل صفة عُليا، كل صفة عليا فإنها ثابتة لله عز
وجل، ودلَّ قوله تعالى:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١] على أن جميع صفاته التي اتصف بها لا يشبهه شيءٌ من المخلوقين في هذه
الصفات، وإن اشتركت في أصل المعنى لكنها تختلف في حقيقة الحال.
فمن لم يثبت لله
ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات فإنه معطِّل، وتعطيله هذا يشبه تعطيلَ فرعون
الذي أنكر الربوبية وتعطيلَ المشركين الذين صاروا يعبدون مع الله غيره. ومن أثبتها
مع التشبيه صار مشبهًا للمشركين الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر. ومن أثبتها بدون
مماثلة صار من الموحدين، فلا بد من إثبات بلا مماثلة.
ونحن نقول: هل أحد أعلم
بالله من الله بنفسه؟ أبدًا. وهل أحد أصدق خبرًا من خبر الله؟ أبدًا. وهل أحد أصح
بيانًا من بيان الله عز وجل؟ أبدًا، والله عز وجل يقول:
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، ويقول:
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]،
ويقول:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [البقرة: ٩٩]، وما أشبه ذلك، مما يدل على أن الله عز وجل يريد
أن يبيِّن للخلق غاية البيان الطريقة التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الناس إلى
بيانه ما يتعلق بأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لا
تعلم صفاته أو من ليس له صفة أمرٌ لا يتحقق أبدًا، لا بد أن تعلم من صفات المعبود
ما يجعلك تعبده حقًّا وتلجأ إليه.
فهذا التوحيد هو الذي ضلَّت فيه هذه الأمة
وانقسموا فيه فرقًا كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل زاعمًا أنه بذلك منزه لله عز
وجل، ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعمًا بذلك أنه محققٌ لما وصف الله به نفسه، والكل
منهم قد ضل.
أما الأول الذي عطَّل ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله فنقول له:
خدعت نفسك، وكذبت في دعواك؛ لأن المنزِّه حقيقةً لله هو الذي ينفي عنه صفات النقص
والعيب، وهو الذي ينزِّه كلامه أن يكون تعميةً وتضليلًا. فباللهِ عليكم لو قال
قائل: إن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا رحمة، هل
يكون قد نزه الله أو قد وصمه (...) العيوب؟ هو هذا.
كذلك من قال: ليس لله رحمة،
ولا سمع، ولا بصر، ولا قدرة، ولا كلام، وهو سبحانه وتعالى يكرر ذلك في كلامه
ويثبته؛
سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٦١]،
عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩]، رحيم غفور، وما أشبه ذلك، هل
يكون قد نزه كلامه عن التعمية والتضليل؟ أبدًا، قد وصم كلامه بالتعمية والتضليل؛ أن
يثبت شيئًا وهو خالٍ منه، وهل هذا إلا غاية ما يكون من القدح في كلام الله عز
وجل؟!
كذلك الذين قالوا: إننا نثبت لله ما أثبت لنفسه لكن مع التمثيل تحقيقًا
لثبوت الصفة، هؤلاء ما قدروا الله حق قدره، وهؤلاء وصموه بالنقص والعيب؛ أن يجعلوا
الكامل من كل وجه مثل الناقص من كل وجه، فإذا كان تفضيل الكامل على الناقص يَحُطُّ
من قدْره فما بالك بتمثيل الكامل بالناقص؟ هذا أعظم ما يكون جناية على الله عز وجل،
وإن كان المعطلون أشد منهم جرمًا لكن الكل منهم لم يَقْدر الله حق قدره، ولم ينزه
الله عز وجل عما لا يليق به.
فالتوحيد هو إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء
والصفات. ولهذا قال أهل العلم، قالوا: إننا نؤمن بما وصف الله به نفسه وسمَّى به
نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا
تكييف ولا تمثيل، هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم أنه لا بد أن
ننزه عقيدتنا عن هذه الأمور الأربعة: التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل؛
فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة
إلا أنه أخص من التكييف.
فنحن يجب أن نبرئ معتقدنا عن هذه الأمور الأربعة، ونحن
حينما نقول: من غير تحريف نعني بذلك التأويل الذي سلكه من سموا أنفسهم بأهل
التأويل، هؤلاء المحرِّفون لنصوص الصفات يسمون أنفسهم أهل التأويل، لماذا؟ لأجل
تلطيف المسلك الذي يسلكونه؛ لأن النفوس تنفر من كلمة (تحريف)، ولكن يقولون هذا من
باب زخرفة القول وتزيينه في نفوس الناس حتى لا ينفروا منهم، ولكن حقيقة تأويلهم
التحريف؛ لأننا نقول في التأويل الذي سلكتموه وهو صرف اللفظ عن ظاهره، نقول له: هذا
الصرف إن دلَّ عليه دليل صحيح فهو ليس تأويلًا بالمعنى الذي تريدون ولكنه تفسير،
وإن لم يدلَّ عليه الدليل فهو تحريف وتغييرٌ للكلم عن مواضعه.
فهؤلاء الذين ضلوا
بهذه الطريقة وصاروا يثبتون الصفات لكن بتحريفٍ هم على خط معاكس لخط أهل السنة
والجماعة، ولا يمكن أبدًا أن يُلَقَّبوا بأهل السنة والجماعة. ليش ما يمكن؟ لأن
الإضافة تقتضي النسبة، (أهل السنة) منسوبون لأهل السنة، هل هؤلاء متمسكون بالسنة
فيما خالفوا فيه أهل السنة؟ لا، كيف نسميهم أهل السنة؟!
أيضًا (الجماعة)،
الجماعة معناها الاجتماع، الأصل أن اسم جماعة؛ أي: اجتماع، هل هم مجتمعون على
آرائهم؟ لا، اقرأ في كتب أهل التأويل من المعتزلة والأشعرية والماتريدية ومن ضاههم،
اقرأ فيها تجد العجب العجاب من التناقض والاضطراب والتداخل، حتى إن بعضهم لا يقتصر
على أن يضلل بعضًا لكن هو نفسه يتناقض، وقد نقل شارح
الطحاوية عن الغزالي
وهو من بلغ ذروة علم الكلام، نقل عنه كلامًا عجيبًا إذا طالعه إنسان تبين له ما كان
عليه أهل الكلام من الخطأ والخطل والزلل، وأنهم ليسوا على بينة من أمرهم.
وكذلك
ما نقله هو وغيره عن الرازي -وهو من رؤساء علم الكلام- كيف أقر على نفسه بأنه على
خطأ عظيم، وقد أنشدنا أبياتًا له في هذا المعنى يقول فيها:
| نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُــــــــــــــــولِ
عِــــــــــــــقَالُ |
وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَــــــــلَالُ |
| وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا |
وَغَـــــــايَةُ دُنْيَــــــــــــــــانَا أَذًى
وَوَبَالُ |
| وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا |
سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ
وَقَالُوا |
كلام فاض، ثم قال: لقد تأملت الطرق
الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب
الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات:
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]،
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]؛ يعني: فأثبت هذا. واقرأ في النفي:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]؛ يعني: فأنفي
المماثلة، وأنفي الإحاطة بالله علمًا. ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. شوف
الكلام من فحولهم.
فتجدهم حيارى مضطربين ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه
الله إلى الصراط المستقيم مطمئنًّا منشرح الصدر هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي
كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات ويقول:
واللهِ لست بأعلم من الله -في نفسه- فيثبت ولكنه يمنع عقله وتفكيره أن يتجاوز الحد
إلى تكييف أو إلى تمثيل، ويقول: ما دمت عاجزًا عن تصوِّر نفسي التي بين جنبيَّ فإني
في تصوري لحقائق ما وصف الله به نفسه من باب أولى أن أكون عاجزًا. وهذا أمر إذا
سلكه الإنسان استراح.
ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن التفكير في
التكييف، أو عن السؤال بـ(لم) فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، أو السؤال بـ(كيف)
فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
وانظر إلى السلف رحمهم الله كيف يقدرون الله حق
قدره، لما جاء رجل لمالك بن أنس قال: يا أبا عبد الله،
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ هل
صار وجهه يتهلل فرحًا بهذا السؤال؟ أبدًا، أطرق برأسه حتى صار يبش عرقًا من هذا
السؤال، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به
واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا.
بينما نجد نحن في العصر الخامس
عشر، نجد منا من يقوم ويقول: تعالَ، أنت تقول: الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث
الليل كل ليلة؟ أقول: نعم. قال: إذن يلزم أن يكون كل النهار في السماء الدنيا. ليش؟
قال: نعم؛ لأن الليل يمشي على الأرض، ينتقل الثلث من هذا المكان إلى مكان آخر،
فمعناه أن الله دائمًا في السماء الدنيا.
هل قال الصحابة هذا للرسول؟ لو كان هذا
مما يَرِد على قلب المؤمن المستسلم لكان الله يبينه؛ إما على لسان رسوله، أو يقيد
من يسأل. سأل الصحابة الرسول قالوا: أين كان الله قبل أن يخلق السماء والأرض؟
هذا
السؤال عظيم، يعني إلى هذا الحد لا يريد الله عز وجل أن يبقى الأمر مبهمًا، فهذا لو
كان واردًا لأورد على الرسول عليه الصلاة والسلام، أو لبينه (...) في ثلث الليل
(...) في هذه الجهة وفي غيرها (...)، والله عز وجل ليس كمثله شيء، علينا أن نستسلم،
وأن نقول: سمعنا وأطعنا وآمنا واتبعنا وصدقنا، (...). والله أعلم.
(...) رحمه
الله:
(كتاب التوحيد)، التوحيد هو مشتق من: وحَّد الشيء؛ إذا جعله واحدًا،
فهو مصدر، أنا قلت: إنه مشتق من (وحَّد)، والراجح عند النحويين أن المصدر هو أصل
الاشتقاق وليس الفعل، وفيه خلاف، فهل نقول: (وحَّد) مشتق من التوحيد، أو التوحيد
مشتق من (وحَّد)؟ ينبني على الخلاف؛ هل الأصل المصدر أو الأصل الفعل؟ والصحيح أن
الأصل هو المصدر؛ لأنه هو المعنى الذي أُخِذ منه الفعل.
المؤلف رحمه الله لم يأت
بخطبة مقدمة واكتفى بالترجمة عن ذلك؛ لأنك بمجرد ما تقرأ
(كتاب التوحيد) هذا
العنوان تعرف أن موضوع الكتاب هو التوحيد. وقد أتى المؤلف رحمه الله في كتابه هذا
بأقسام التوحيد الثلاثة لكنها متفرقة الأبواب.
قال:
(وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذريات: ٥٦]) (ما) نافية، وقوله:
إِلَّا لِيَعْبُدُونِهذا استثناء مفرَّغ من أعم الأحوال؛
يعني: ما خلقتها -الجن والإنس- لأي شيء إلا للعبادة.
واللام هنا في قوله:
إِلَّا لِيَعْبُدُونِاللام للتعليل لكنه تعليل بيان الحكمة
من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول; لأنه لو كان التعليل الملازم له المعلول
للزم من خلق الجن والإنس أن يكونوا كلهم عبادًا لله يتعبدون له، وليس الأمر كذلك،
فهذه العلة علةٌ غائيةٌ وليست علةً فاعلةً، والعلة الغائية قد تحصل وقد لا تحصل؛
كما لو قلت: بريتُ القلم لأكتب به، فأنت قد تكتب وقد لا تكتب.
العلة الفاعلية
معناها أن المعلول مبنيٌّ عليها ولا بد أن تقع وتسبق هذا المعلول، وأما العلة
الغائية فهي لبيان الغاية من هذا الفعل والمقصود من هذا الفعل، وقد يقع، وقد لا
يقع، والمثال الذي ضربت لكم يبين ذلك. ما هو؟ أن تقول: بريتُ القلم لأكتب به، فأنت
الآن بريته، لكن هل يلزم من ذلك؛ أي من كونك بريت لتكتب به، هل يلزم من ذلك أن تكتب
به؟ لا. خِطْتُ الثوب لألبسه، ربما لا تلبسه، ولَّا لا؟ يبدو لك البعد عنه وتتركه،
وهكذا، فهذه العلة غاية، والعلة الغائية لا يلزم وقوعها.
وإنما قلنا ذلك؛ لأنها
لو كانت علة فاعلة لكان يلزم أن الناس كلهم يعبدون الله، والواقع ليس
كذلك.
طالب: الفاعلة؟
الشيخ: العلة الفاعلة معناها التي تكون هي السبب في إيجاد هذا
الشيء، فتكون سابقة له، فتقول مثلًا: انكسر الزجاج لشدة الحر، مثلًا، فالعلة
الفاعلة تكون سابقة، وهي التي تكون ملازمة للمعلول.
قوله تعالى:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَخَلَقْتُبمعنى: أوجدت، لكنه إيجاد مسبوق بتقدير، ولهذا الخلق
في اللغة التقدير، كما قال الشاعر:
| وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ |
وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا
يَفْرِي |
(ما خلقتَ) يعني: ما قدرتَ، فأصل الخلق في
اللغة التقدير، ويطلق على الإيجاد المبني عليه كما في الآية.
وقوله سبحانه
وتعالى:
الْجِنَّ، الجن هم عالم غيبيٌّ مخفيٌّ عنا،
ولهذا جاءت المادة هذه تسمية لهم؛ لأنه سبق لنا أن الجيم والنون تدلان على الخفاء
والاستتار، ومنه: الجَنة، والجِنة، والجُنة، كلها تدل على الخفاء
والاستتار.
وقوله:
الْإِنْسَيراد به بنو آدم، وسموا
بذلك لأنهم لا يعيشون بدون إيناس، فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض،
ولذلك سموا إنسًا.
والله خلقهم لعبادته
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، فسِّر قوله:
لِيَعْبُدُونِإلا
ليوحدون، وهذا حق، وفسِّر بمعنى: ليتذللوا لي بالطاعة؛ فعلًا للمأمور وتركًا
للمحظور، ومن طاعته أن نوحده سبحانه وتعالى، فهذه هي الحكمة.
(...) ومن المعلوم
أنه لو كان هذا هو الحكمة لكان منافيًا للحكمة. كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أعطى البشر
عقولًا، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، فلو كانت الحكمة من خلقهم كالحكمة
من خلق البهائم التي خُلِقَت لينتفع بها الناس لضاعت الحكمة. كيف (...) الحكمة
وتُرْسل الرسل، وتُنْزل الكتب، ويُعْطى الإنسان عقلًا، والنهاية أنه كشجرة نبتت
ونمت ثم تحطمت وذابت؟! هذا ليس من الحكمة، ولهذا قال عز وجل:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥] لا بد أن يردك إلى معاد تُجَازَى على عملك؛ إن خيرًا
فخير، وإن شرًّا فشر. إذن هذه الحكمة من خلق الجن والإنس.
هل الحكمة أن ينفعوا
الله؟ يعني ليس الحكمة أن يمتعوا فهل الحكمة أن ينفعوا الله؟ لا، ولهذا قال:
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٧، ٥٨].
فإن قلت: كيف تجيب عن قوله تعالى:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢٤٥]؟
فالجواب: أن هذا ليس إقراضًا لله عز وجل؛ فإن الله غني عنَّا، لكنه شبه
سبحانه وتعالى معاملة عبده له بالقرض; لأن القرض لا بد من وفائه، فكأنه التزام من
الله عز وجل أن يوفي العامل أجر عمله، كما يوفي المقترض مَنْ أقرضه.
ثم قال:
(وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]).
وَلَقَدْ بَعَثْنَاأولًا: نشوف (...)
اللام في قوله:
وَلَقَدْ بَعَثْنَاموطئة للقسم؛ بمعنى
أنها هيَّأت الجملة للقسم المقدَّر، ولهذا نقول: موطئة، توطئة الشيء؛ يعني: تهيئته.
و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة في مثل التأكيد مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ القسم
المقدَّر، واللام، و(قد).
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًاأي: أخرجنا وأرسلنا في كل أمة. والأمة هنا: الطائفة من
الناس.
وتطلق (الأمة) في القرآن الكريم على عدة معانٍ:
منها هذا المعنى:
الطائفة.
ومنها: الزمن؛ كما في قوله تعالى:
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥].
ومنها: الإمامة،
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل: ١٢٠].
ومنها: الملة،
إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢]؛
يعني: على ملة،
وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ.
و(أُمَّة) هنا بمعنى الطائفة، كل أمة بعث الله فيها رسولًا
منذ عهد نوح إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فلم تزل الرسالة موجودة منذ عهد
نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
والحكمة من إرسال الرسل إقامةُ الحجة والرحمة؛
قال الله تعالى:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]،
وقال تعالى:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]. لأن الإنسان لا يستقل بمعرفة ما يجب لله
على وجه التفصيل، هل تعرف كيف تتوضأ؟
طالب:
لا.
الشيخ: إلا عن طريق الرسل، ولا كيف تصلي، ولا كيف
تصوم، ولا كيف تزكي، بل ولا تعرف ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات على سبيل
التفصيل إلا عن طريق الرسل، فالحاجة داعية إليهم، فلهذا كان إرسال الرسل من رحمة
الله سبحانه وتعالى.
وقوله:
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ(أن) هل هي مصدرية أو تفسيرية؟
طالب: يحتمل.
الشيخ: يحتمل، بعد يمكن أو مخففة من الثقيلة؟ قلتم: يحتمل، أو
زائدة قلتم: يحتمل.
طالب: تفسيرية.
الشيخ: التفسيرية يقولون: هي التي سُبِقَت بما يدل على القول دون
حروفه؛ يعني: بما فيه معنى القول دون حروفه، هذه التفسيرية؛ مثل:
أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧]،
فالوحي بمعنى القول، فيه حروفه؟ ليس فيه حروفه، فإذا جاءت (أن) مسبوقة بما يتضمن
معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية.
هنا إذا قلت: إنها تحتمل أن تكون تفسيرية
فأين ما فيه معنى القول دون حروفه؟ يقول: إن
بَعَثْنَامتضمن للوحي؛ لأن كل رسول فهو مُوحًى إليه، فكأنه ضمنها معنى أوحينا؛ يعني: فأوحينا
إليه أن اعبدوا الله.
أما الذين قالوا: إنها مصدرية فقالوا: إنها على تقدير
الباء؛ بعثنا في كل أمة رسولًا بأن اعبدوا الله. وعلى هذا فيترجح أن تكون تفسيرية;
لعدم التقدير.
وقوله:
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَيعني:
تذللوا له بالعبادة، والعبادة تطلق على التعبُّد وعلى المتعبَّد به، فهي بمعنى
التعبَّد، هي التذلل لله عز وجل محبةً وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى
أنها بمعنى العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
مثال ذلك رجل قام وصلى
وسلَّم من الصلاة، هل العبادة فعله للصلاة أو الصلاة نفسها؟ كلاهما يسمى عبادة؛
ففعله للصلاة عبادة وهو التعبد، ونفس الصلاة عبادة وهو المتعبَّد به.
قوله:
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَهذا فيه إثبات عبادة الله. لكن
هل فيها التوحيد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَلا،
ما فيها توحيد
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، لكن
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَالآن جاء التوحيد، اجتنبوا؛ يعني:
ابتعدوا عنه؛ بأن تكونوا في جانب وهو في جانب.
فما هو الطاغوت؟ الطاغوت مشتقٌّ
من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان: مجاوزة الحد; كما في قوله تعالى:
إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة: ١١] أي: جاوز حدَّه.
وتعريفه أجمع ما قيل فيه: إنه ما تجاوز به العبد
حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع، هذا الحد ذكره ابن القيم وهو أجمع الحدود، ما
تجاوز به العبد حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
(من معبود) مثل أيش؟ مثل
الأصنام، الأصنام طواغيت. (أو متبوع) مثل الكهان وعلماء السوء والسحرة وغيرهم،
هؤلاء نسميهم طواغيت. (أو مطاع) مثل الأمراء الخارجين عن شريعة الله، فإذا اتخذهم
الإنسان أربابًا؛ يحل ما حرَّم اللهُ من أجل تحليلِهم له، ويحرِّم ما أحل الله من
أجل تحريمهم له، فهؤلاء نسميهم طواغيت.
وهل الفاعل يسمى طاغوتًا أو تابعًا
لطاغوت؟ نقول: تابع لطاغوت، ولهذا قال الله تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: ٥١] ولم يقل: إنهم طواغيت، فقال:
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. فهذا
الطاغوت.
اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَطيب من الطواغيت
الأصنام التي تعبد من دون الله، وحينئذٍ تكون الآية دالة على أي شيء؟ على التوحيد
تمامًا؟ نعم؛ لأن التوحيد لا يتم إلا بركنين؛ وهما: الإثبات والنفي؛ إذ إن النفي
المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع المشاركة.
لو قلت: زيد قائم، أثبتَّ
القيام له، لكن هل هذا يدل على انفراده بالقيام؟ لا؛ لأنه مجرد إثبات. ولو قلت: لم
يقم أحد، هذا تعطيل، نفي محض. ولو قلت: ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد ولَّا لا؟ نعم،
وحَّدته بالقيام؛ لأنه اشتمل على إثبات ونفي.
يقول المؤلف:
(الآية) ويش
معنى (الآية)؟ يعني: إلى آخر الآية، ولهذا نقرؤها بالنصب نقول: الآيةَ؛ إما على
أنها مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أكمل الآية أو اقرأ الآية، أو على أنها منصوبة
بنزع الخافض؛ يعني: إلى آخر الآية.
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ [النحل: ٣٦] (منهم) أي: من الأمة، كيف يقول: (منهم) والأمة مفرد؟
لأنها مفرد لفظًا جمع معنًى،
فَمِنْهُمْأي: من الأمة،
مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، والمراد بالهداية هنا أيش؟ هداية التوفيق؛ لأن هداية الدلالة
أُخِذَت من إرسال الرسل،
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُووفقه،
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
ما وجه الاستشهاد بهذه الآية في كتاب التوحيد؟ أنها
دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد وأنهم أُرْسِلوا
به; لقوله:
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.
(وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]) قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواكلمة (أن) هل هي تفسيرية ولَّا مصدرية؟
طلبة:
تفسيرية.
طالب: مصدرية.
الشيخ: مصدرية، الدليل؟ الدليل حذف النون،
أَلَّا تَعْبُدُوا.
وقوله:
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُهذا استثناء مفرَّغ؛ لأن الفعل لم يأخذ مفعوله،
فمفعوله ما بعد (إلا)، وقوله:
إِلَّا إِيَّاهُ(إيَّ)
هذه ضمير النصب منفصل، وواجب الانفصال ولَّا لا؟
طالب:
نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن المتصل لا يقع بعد (إلا)، كما
قال ابن مالك:
| وَذُو اتِّصَالٍ مِنْهُ مَا لَا يُبْتَدَا |
وَلَا يَلِي (إِلَّا) اخْتِيَارًا
أَبَدَا |
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاقال المؤلف:
(الآية) أيضًا، لكن باقي الآية ما له دخل في
التوحيد.
طيب
قَضَى رَبُّكَالقضاء -أعني قضاء الله
عز وجل- ينقسم إلى قسمين: قضاء شرعي، وقضاء كوني.
فالقضاء الكوني لا بد من
وقوعه، ويكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه. والقضاء الشرعي على العكس؛ يجوز وقوعه
وعدمه، ولا يكون إلا فيما يحبه الله.
إذن قضاء الله ينقسم إلى قمسين: كوني
وشرعي؛ الكوني يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، ولا بد من وقوعه، والشرعي لا يكون
إلا فيما يحبه الله، وقد يقع وقد لا يقع.
مثال الكوني قوله تعالى:
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤]،
القضاء هنا لا يمكن يكون بمعنى الشرع؛ لأن الله ما يشرع أن يفسد الناس في الأرض؛
فهو لا يحب الفساد، فالقضاء هنا كوني.
ومثال الشرعي هذه الآية:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُوعلى هذا
فتكون (قضى) بمعنى: شرع، أو بمعنى: وصَّى، وما أشبهها.
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ..
طيب
إذا قال قائل: أنتم تثبتون أن الله قضى كونًا ما لا يحبه، كيف يقضي الله ما لا
يحبه؟ هل أحد يُكْرِه الله على شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن كيف يقع وهو لا يحبه؟
نقول: المحبوب قسمان: محبوب
لذاته، ومحبوب لغيره؛ فالمحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته، ولكنه يحب لما فيه من
الحكمة والمصلحة، فالله عز وجل قد يقدِّر الشر وهو يكرهه، لكن يحبه لغيره؛ أي لما
يتضمنه من الحكمة، فيكون حينئذٍ محبوبًا إلى الله من وجه، ومكروهًا إليه من وجه؛ إن
نظرنا إلى مجرد التقدير قلنا: إنه محبوب إلى الله، وإن نظرنا إلى ذات الشيء
المقدَّر قلنا: إنه مكروه إلى الله (...)، فالفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد
ذاته مكروه إلى الله; لا يحب الله الفساد ولا يحب المفسدين، لكن للحكمة التي
يتضمنها يكون محبوبًا إلى الله عز وجل.
القحط والجدب والمرض والفقر (...) الله
عز وجل، والله تعالى لا يحب أن يؤذي عباده بهذا الشيء، بل لا يريد بعباده إلا
اليسر، ولكن يقدره لحكمة، فيكون محبوبًا إلى الله من وجه، ومكروهًا من وجه
آخر.
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] ففي هذه الآية أن الله عز وجل قد يقدِّر الشيء وهو
يكرهه لكن لحكمة يتضمنها هذا التقدير أو هذا القضاء، وحينئذٍ يكون محبوبًا إلى الله
من وجه.
إذا قال قائل: كيف يُتَصور أن يكون الشيء محبوبًا من وجه ومكروهًا من
وجه آخر؟ وأروني مثلًا محسوسًا أطمئن إليه.
قلنا: هذا الإنسان المريض يُعْطَى
جرعة من الدواء مُرَّة، كريهة الرائحة، كريهة اللون، فيشربها محبةً لشربها ولَّا
لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: في
هذه الحال؟
طالب: ما يحبها.
الشيخ: يكرهها ولا يحب شربها، لكن يحب شربها لما يحصل بها من
الشفاء، فتكون هذه الجرعة من الدواء محبوبةً إلى الإنسان من وجه، مكروهةً إليه من
وجه آخر.
أرأيت لو أن رجلًا من الناس أمسك بولدك وأحمى الحديدة وكواه بها،
ترضى؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما
ترضى؟ ما ترضى (...)، لكن إذا كان مريضًا وجاء الطبيب وقرر أن يكويه بالحديدة
المحماة على النار، ترضى ولَّا ما ترضى؟
طلبة:
نعم.
الشيخ: فيكون هذا الأم مكروهًا إليك من وجه،
ومحبوبًا لك من وجه آخر.
طيب
قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُلو قلتم: أفلا يمكن أن نجعلها من باب القضاء
القدري؟ لا يمكن; لو كان قضاءً قدريًّا لعبد الناس ربهم كلهم، لكنها قضاء شرعي؛ قد
يقع، وقد لا يقع.
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُشوف الآية الخطاب فيها للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قال:
قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُولم يقل:
ألَّا تعبدَ، وهذه لها نظير في القرآن:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]، فالخطاب الأول لمن؟ للرسول صلى
الله عليه وسلم، وفي الثاني للعموم، هذه
قَضَى رَبُّكَالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، و
أَلَّا تَعْبُدُواللعموم. ما هو الفائدة من تغير الأسلوب، ونحن نعلم أن القرآن أعلى ما يكون من
الفصاحة والبلاغة؟
الفائدة أولًا: أن ينتبه الإنسان؛ لأن كونه يتغير وجاء على
خلاف المألوف فلا بد أن ينتبه الإنسان، وتنبيه المخاطب أمر مطلوب
للمتكلم.
ثانيًا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو زعيم أمته، والخطاب الموجه
إليه موجهٌ للجميع. وهذا ظاهر.
وثالثًا -والله أعلم-: الإشارة إلى أن ما خُوطب
به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو له وللأمة، إلا ما دلَّ الدليل على أنه مختص
به.
وفي هذه الآية بالذات فيها فائدة رابعة توجيه الخطاب أولًا إلى الرسول صلى
الله عليه وسلم؛ يستفاد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره مربوبٌ عابدٌ وليس
ربًّا معبودًا، ولَّا لا؟ لأن
قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواهو داخل في قوله:
أَلَّا تَعْبُدُوا، فيكون فيه إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوبٌ
لا ربٌّ، عابدٌ لا معبود، وهو كذلك.
وكفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله عز وجل،
ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته؛ فقال في مقام التحدي والدفاع
عنه:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣] الذي أرسلناه إليكم، وقال عز وجل:
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] في مقام إثبات نبوَّته ورسالته إلى الخلق، فهذا شرف للرسول عليه
الصلاة والسلام أن الله تعالى يخصه بالعبودية الخاصة.
ولهذا نقول: إن العبودية
ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة.
العامة عبودية الربوبية، وهي لكل
الخلق، دليلها قوله تعالى:
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، حتى أكفر عباد
الله عبدٌ لله.
الخاصة ربوبية الطاعة العامة؛ مثل قوله تعالى:
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، هذه تعم مَن؟ كل من تعبَّد لله بشرعه لا بقدَره، من
تعبد بقدَره سبق، كل من تعبَّد لله بشرعه.
خاصة الخاصة هي عبادة الرسل عليهم
الصلاة والسلام؛ مثل قوله تعالى عن نوح:
إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]، وقوله عن محمد صلى الله عليه وسلم:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣]، في أول الرسل وآخر الرسل، وقوله للرسل الآخرين:
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ، فهذه العبودية التي وُصِف بها الرسل نسميها خاصة الخاصة؛
لأنه لا يباريهم أحد في هذه العبودية أبدًا، لا يباريهم.
انظر إلى نوح عليه
الصلاة والسلام بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، سرًّا وعلنًا
وجهرًا، ويصبر على أذاهم وعلى سخريتهم به، وعلى تحديهم إياه، وانظر إلى محمد عليه
الصلاة والسلام أيضًا ماذا صبر، وانظر إلى غيرهم من الرسل، ومع ذلك هم ماكثون على
عبادتهم لله سبحانه وتعالى،
والنبي صلى الله عليه وسلم كان
يقوم الليل حتى تتورم قدماه ،
حتى الشباب يعجزون أن يقوموا قيامه،
ابن مسعود رضي الله عنه
صلى معه ذات ليلة يقول: فقام النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا حتى هممت بأمر سوء،
فقالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه ،
وهو النبي عليه الصلاة والسلام.
هل منا أحد أو من أي وقت واحد من الناس يقوم هذا
القيام؟ ومع ذلك قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، لو أن هذا عندنا قلنا:
ما دام غُفِر له من ذنبه وما تأخر خلاص، (...) عندنا وثيقة، خلاص ما فيه عمل، لكن
الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ
عَبْدًا شَكُورًا» ،
وبهذا نعرف هذه العبودية التي وُصِف بهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقوله عز
وجل:
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًايعني: وأحسنوا
بالوالدين إحسانًا.
قَضَى رَبُّكَيعني: أمر أن يُحِسن
بالوالدين إحسانًا. وقوله:
بِالْوَالِدَيْنِالوالدان
يشمل الأم والأب ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قرب منك كان أولى
بالإحسان.
وقوله:
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] في
قوله:
إِحْسَانًابذل المعروف، وفي قوله:
فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّكف الأذى؛ لأنك إذا قلت لهما: أف
-أي: أتضجر- فقد يتأذيان بذلك.
وفي قوله:
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَاإشارة إلى أنهما إذا بلغا
هذه الحال التي يكونان فيها عبئًا على الأولاد؛ يعني: إذا بلغ الكبر صار عبئًا على
ولده يتعبه،
فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّلا تتضجر،
وَلَا تَنْهَرْهُمَاإذا أساءا في فعلهما، فلا تتضجر من
الحال، ولا تنهرهما في المقال.
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًاأي: لينًا حسنًا بهدوء وطمأنينة؛ مثل أن تقول: أعظم الله أجرك،
أبشر يا والدي، أبشري يا أمي، وما أشبه ذلك.
فالقول الكريم يكون في صيغته، وكذلك
في أدائه والخطاب به، ألَّا يكون قولًا مزعجًا؛ كرفع الصوت مثلًا، وأن يكون قولًا
يتضمن الدعاء لهما وإيناسهما.
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّيعني: تذلل لهما، وإنما قال:
جَنَاحَ الذُّلِّلأن الإنسان بطبيعته عنده كبرياء وغرور،
فهذا الجناح الذي تطير به إلى أعلى بنفسك اخفضه وتذلل لهما،
مِنَ الرَّحْمَةِ(مِن) هنا للتعليل؛ أي: برحمتهما؛ لأنهما قد
بلغا الكبر وصارا عالة عليك، (...) فارحمهما،
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا؛ يعني أيضًا توجه إلى الله عز وجل
بالدعاء لهما بأن يرحمهما، والكاف هنا للتعليل؛ يعني: لما ربياني صغيرًا، وقد مرّ
علينا أن الكاف تأتي للتعليل في عدة أماكن.
وقوله:
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًاذكر حال الصغر؛ لأن الإنسان في حال الصغر لا يملك
لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولكن الأم تتعب عليه ليلًا ونهارًا، والأب يتعب في الاكتساب
له كذلك ليلًا ونهارًا، فقد ربَّياه تربية بدنية، وربياه تربية توجيهية دينية
وخلقية، فكان لهما هذا الحق العظيم.
وفي قوله:
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًابعد قوله:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُدليل على
أن حق الوالدين بعد حق الله عز وجل.
ولعلك تسأل: أين حق الرسول عليه الصلاة
والسلام؟
فالجواب أن حق الرسول من حق الله عز وجل، فحق الله متضمن لحق الرسول
صلى الله عليه وسلم.
الشاهد من هذه الآية قوله:
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُفهذا هو التوحيد.
ثم قال:
(وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦] الآية) هذه في سورة النساء،
اعْبُدُوا اللَّهَهذه في ميزان (إلا الله)،
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًافي ميزان (لا إله)؛
لأنها للنفي.
وقوله:
لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا(شيئًا) هذه نكرة في سياق النهي، فتعم كل شيء؛ لا نبيًّا، ولا ملكًا، ولا وليًّا،
ولا أحدًا من الناس، لا تشرك به شيئًا، بل ولا أمرًا من أمور الدنيا، حتى أمور
الدنيا لا تجعلها شريكًا مع الله، فالإنسان إذا كان همه الدنيا فهو عابد لها، كما
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ،
تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ
(...)» .
وقوله:
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاكالآية السابقة.
وَبِذِي الْقُرْبَىيعني أيضًا إحسانًا،
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، و(اليتامى) جمع يتيم؛ وهو
الذي مات أبوه ولم يبلغ، والمساكين هم الذين أعدموا فأسكنهم الفقر، وابن السبيل وهم
المسافرون الذين انقطعت بهم النفقة.
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىيعني: القريب،
وَالْجَارِ الْجُنُبِيعني: البعيد.
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِقيل: إنه
الزوجة، وقيل: إنه صاحبك في السفر; لأنه يكون إلى جنبك.
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْهذا يشمل الإحسان إلى البهائم؛ لأنهم ملك أيمانك،
والإحسان إلى الأرقاء؛ لأنهم من ملك أيمانك، والإحسان إلى الدور؛ لأنها من ملك
أيمانك..
طالب: لا.
الشيخ:
تحسن إلى دارك؛ تنظف الزجاج، (...) الأرض، أو لا؟ ما هي مما ملكت أيمانكم؟
طالب: لا.
الشيخ: (...) الإحسان،
ولَّا لا؟ فلا تدخل في الآية.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًاالمختال: في هيئته، والفخور: في قوله،
فالله لا يحب هذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
(وقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١]) الخطاب في
الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم،
تَعَالَوْايعني:
أقبلوا وهلمُّوا، وأصله من العلو، كأن المنادي يناديك أن تعلو إلى مكانه، كأنما
يناديك من بعيد؛ من علو، فيقول: تعال؛ يعني: ارتفع إليَّ.
وقوله:
أَتْلُبالجزم جوابًا للأمر في قوله:
تَعَالَوْا.
وقوله:
مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ(ما) اسم موصولٍ مفعول لـ
أَتْلُ؛ يعني: أتل الذي حرم ربكم عليكم، والعائد فيها محذوف،
التقدير: ما حرَّمه ربكم عليكم.
وقال:
رَبُّكُمْولم
يقل: ما حرَّم الله؛ لأن الرب هنا أنسب؛ حيث إن الرب له مطلق التصرف والتدبير في
المربوب، فلهذا قال:
رَبُّكُمْ.
وقوله:
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا(أن) هذه تفسيرية؛ تُفَسِّر
أَتْلُيعني: أتلو عليكم ألَّا تشركوا به شيئًا، وليست
مصدرية مفعولًا لـ
حَرَّمَ؛ لأن الله ما حرَّم ألَّا
نشرك بل حرَّم أن نشرك، وقد قيل به؛ أي قيل: إن (أنْ) مصدرية، ولكن على هذا القول
تكون (لا) زائدة، ولكن القول الأول أصح أنها تفسيرية؛ أي: أتل عليكم عدم الإشراك
بالله شيئًا.
ثم قال:
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًايعني: وأتلو عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
فإن قلت: كيف يصدق على نفي
الشرك أنه حرام وعلى الإحسان أنه حرام؟
قلنا: حرام تجنبه؛ يعني: يحرم عليكم أن
تتجنبوا انتفاء الإشراك به، وأن تتجنبوا الإحسان إلى الوالدين، وإذا حَرُم ذلك صار
ضده واجبًا، فيجب إذن التوحيد والإحسان إلى الوالدين.
وقوله:
أَلَّا تُشْرِكُواما دمنا أعربنا (أنْ) تفسيرية فإن (لا) هنا
ناهية، وهذا مما يرجح أن تكون (أنْ) تفسيرية؛ لتتناسب الجمل، فتكون كلها
طلبية.
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍلَمَّا ذكر حق الأصول -الوالدين- ذكر حق الفروع فقال:
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍوالأولاد هنا
يشمل الذكر والأنثى؛ لأنه هكذا في اللغة العربية، قال الله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ [النساء: ١١].
وقوله:
مِنْ إِمْلَاقٍ(مِن) هنا للتعليل والسببية؛ أي: بسبب الإملاق، والإملاق هو
الفقر.
ثم قال:
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْيعني: أنكم إذا أبقيتموهم فإن الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم; لأن الذي يقوم بالرزق
هو الله.
وبدأ هنا برزق الآباء، وبدأ في سورة الإسراء برزق الأولاد، والحكمة في
هذا ظاهرة؛ لأنه هنا قال:
مِنْ إِمْلَاقٍفالإملاق
حاصل، فبدأ بذِكْر الوالدين اللذَين قد أملقا، وأما هناك فقال:
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ [الإسراء: ٣١] فهما غنيان، فبدأ بالأولاد قبل رزق الوالدين.
وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَفقال:
لَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَولم يقل: لا تأتوا، والتعبير
بهذا وبهذا بينهما فرق؛ لو قال: لا تأتوا الفواحش صار نهيًا عن إتيان الفواحش
مباشرة، ولما قال:
لَا تَقْرَبُواصار نهيًا عنها وعما
يكون ذريعةً إليها، فكل الفواحش يجب علينا أن نبتعد عنها، ولهذا حَرُمَ على الرجل
أن ينظر إلى المرأة الأجنبية منه؛ لأن ذلك يدنيه من الفواحش، وحَرُمَ عليه الخلوة
بالأجنبية؛ لأنه يدنيه من الفواحش، وحَرُمَ على المرأة أن تسافر بلا مَحْرَم; لأن
ذلك يدنيها من الفواحش.
وقوله:
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَله عدة أوجه:
أي: ما ظهر منها فحشه وما خفي; لأن الفواحش منها
شيء معلوم الفحش مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء.
وجه آخر
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَأي: ما أظهرتموه وما
أسررتموه، فالإظهار مثل أن يُظْهِر الزنا والعياذ بالله، والإبطان أن يفعله
سرًّا.
شيء ثالث
مَا ظَهَرَوَمَا بَطَنَأي: ما عَظُمَ فحشه وما كان دون ذلك؛ لأن
الفواحش أيضًا ليست على حد سواء، ولهذا جاء في الحديث:
«أَلَا
أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ،
وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما هو دون ذلك، وإن كانت كلها كبائر. فصار
في قوله:
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَفيها ثلاثة
أوجه.
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُوهي النفس المعصومة؛ وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهَد،
والمستأمِن، هذه أربعة أنفس، لا تقتلوها إلا بالحق، والحق هو ما أثبته الشرع،
والباطل ما نفاه الشرع.
فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن
يزني الإنسان وهو محصن، فإذا زنى وهو محصن فإنه يُرْجَم حتى يموت. ومن ذلك إذا قتل
مكافئه، فإنه يُقْتَل به.
ومن ذلك إذا خرج عن الجماعة وقطع الطريق، وفيه قوله
صلى الله عليه وسلم:
«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي،
وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» .
وهذا معنى
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
طيب هنا قال:
لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّوهناك قبلها قال:
لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ، فيكون النهي عن
قتل الأولاد من الإملاق يكون مكررًا مرتين: مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر
العموم.
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَذَلِكُمْالمشار إليه ما سبق،
ولنعد:
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاوَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاوَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍوَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَوَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، خمس.
وقوله:
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِأوصيت بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال: وصيته على
فلان؛ أي: عهدت به إليه ليهتم به.
(...) بمعنى الفهم ولَّا بمعنى حسن التصرف؟
حسن التصرف، بخلاف قوله:
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] فهناك: لعلكم
تفهمون.
فالعقل هنا بمعنى حسن التصرف، وهذا دليل على أن هذه الأمور إذا التزمها
الإنسان فهو عاقل رشيد، وإذا خرج عنها فهو سفيه وليس بعاقل.
وقوله:
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: ١٥٢]، قال:
لَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ يعني: فأما
بالتي هي أحسن فاقربوه.
وقوله:
لَا تَقْرَبُواهذا
(...) وحماية لأموال اليتامى ألَّا نقربها ولا قربانًا إلا بما نراه أحسن؛ أي: إلا
بالخصلة التي هي أحسن، ولم يقل سبحانه وتعالى: إلا بالحَسَن، قال:
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُفلا تقربه بأي تصرف من التصرفات إلا
بما ترى أنه أحسن، فإذا لاح لك تصرفان أحدهما يربح عشرة والثاني يربح خمسة عشر
فالواجب عليك أن تأخذ بما يربح خمسة عشر؛ لأنه أحسن.
والحُسن هنا يشمل الحسن
الدنيوي والحسن الديني، فلو لاح لك تصرفان؛ أحدهما أكثر ربحًا لكنه أكثر ربًا،
كالبنوك مثلًا، والثاني أقل ربحًا لكنه أسلم من الربا، أيهما تقدم؟ الأخير؛ لأن
الحُسن الشرعي مقدم على الحسن المادي الدنيوي.
وقوله:
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فإذا بلغ أشده فاقربوه بما ليس بأحسن؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ (حتى) للغاية،
إذن لأنه إذا بلغ أشده ما (...) التصرف، ماذا نصنع؟ نعطيه إياه، بعد أن نختبره
وننظر في حسن تصرفه نسلمه إياه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا.
واليتيم سبق أنه
هو الذي مات أبوه ولم يبلغ، وهنا يقول:
لَا تَقْرَبُوافلمن الخطاب؟ الخطاب لأولياء اليتيم؛ إن كان له ولي خاص من قِبَل والده فذاك، وإن
لم يكن له وليٌّ خاص فوليه الحاكم، على قول بعض أهل العلم، أو وليه من هو أولى به
من العصبة، على القول الثاني.
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ..
طالب:
أَشُدَّهُ؟
الشيخ: أَشُدَّهُيعني: قوته العقلية والبدنية.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِأَوْفُوا الْكَيْلَيعني: إذا كِلْتُم،
وَالْمِيزَانَإذا وزنتم، وهذا وإن كان ظاهرًا فيما يُكَال
وفيما يوزن؛ فيما يُكَال من الأطعمة كالحبوب والثمار، وفيما يوزن كاللحوم مثلًا،
لكنه شامل حتى في غير ذلك مما تعطي غيرك أو تأخذ منه، يجب عليك أن توفي بالكيل
والميزان.
بِالْقِسْطِأي: بالعدل. ولما كان قوله:
بِالْقِسْطِأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِقد يشق في بعض الأحيان قال:
لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ لأن الإنسان أحيانًا
يفوته أن يوفي الكيل أو أن يوفي الوزن، فهل يُعَدُّ مخالفًا؟ نقول: لا، ما دام قد
بذل الجهد والطاقة فإن الله يقول:
لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاأي: إلا طاقتها، وما خرج عن الطاقة فإن الإنسان معفو عنه
فيه.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىوهنا ما قال: لا نكلف نفسًا إلا وسعها؛ لأن القول لا يشق،
إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواأي قولٍ تقوله فإنه يجب عليك أن
تعدل فيه، سواء تقوله بين اثنين لتحكم بينهما، أو تقوله لنفسك على غيرك، أو تقوله
لغيرك على نفسك؛ فإن الواجب العدل، العدل معناه: ألَّا تميل يمينًا ولا شمالًا؛ لأن
معنى العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل، فإذا قلت قولًا فالواجب عليك
العدل، حتى لو كنت تحكم بين اثنين لا تنهر هذا إذا..